ابو المظفر الاسفرايني
5
التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين
جميع أدوار التاريخ ، ولهم كتب خاصة في الملل والنحل يجدر بمن يهتم بأمر دينه أن يطلع عليها لأن من اطلع على تاريخ الفرق ، ووجوه تشعبها ، وكيفية تفرع بعضها من بعض ، ازداد بصيرة في أمر دينه ، وتصونا في عقيدته ، وعلما بأطوار الفكر البشرى في باب الاعتقاد . فمن العلماء الذين ألفوا في الملل والنحل على اختلاف مشاربهم ، وتفاوت مآربهم ، من اختط لنفسه تدوين معتقدات الفرق بدون تعرض للأخذ والرد ، ومنهم من عنى بالرد عليهم ردا مشبعا فيما يراهم مخطئين فيه ، ومنهم من غالى في إلزام أهل الباطل ما يعده لازم قولهم ، وان لم يكن ذلك مصرحا به في كتبهم ، ومنهم من عول في نسبة الآراء إليهم على كتب خصومهم البعداء عن النصفة ، والعالم المحتاط لدينه لا يعزو إلى فرقة من الفرق ، أو شخص من الأشخاص ما لم يره في كتب المردود عليهم الثابتة عنهم ، أو في كتب الثقات من أهل العلم المتثبتين في عزو الأقاويل ، ولا يلزمهم إلا ما هو لازم قولهم لزوما بينا لم يصرح قائله بالتبري من ذلك اللازم ، والخطأ في باب الاعتقاد خطر إذا كان بحيث يعاند ما ثبت من الدين بالضرورة ، واستساغة ذلك لا تصدر إلا من شذاذ مرضى القلوب ، والخطأ فيما دون ذلك يعد بدعة في الاعتقاد وإن لم يبلغ حد الكفر الناقل من الملة ، وقد وردت أحاديث في افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة . منها ما لا نص فيه على الهالك منها ، ومنها ما فيه بيان أن واحدة منها ناجية والباقين هلكى ، ومنها ما يعدهم كلهم ناجين سوى واحدة هي الزنادقة وقد أختلف أهل العلم في ثبوت تلك الأحاديث ، وعدم ثبوتها كلا أو بعضا كما اختلفوا في المراد بالعدد المأثور ، أو الأمة هل هي أمة الدعوة أم أمة الإجابة ؟ فمنهم من يقول إن العدد لمجرد التكثير كما في قوله تعالى : فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً على ما شرحه المرجاني في العضدية ، أو أن العدد لا مفهوم له . فلا مانع من الزيادة على العدد المأثور وإن لم يجز النقص ، أو أن القصد إلى أصول الفرق دون فروعها كما أشار إلى هذا وذاك الإمام فخر الدين الرازي في كتابه في الملل والنحل وإن سعى في توهين الحديث في تفسيره . ومنهم طائفة تكلفوا حصر العدد في فرق خاصة لكن قلما تجد اتفاقا بينهم في الفرق التي يملئون بها العدد المذكور . فدونك كتاب « رد الأهواء والبدع » لأبى الحسين الملطى المتوفى سنة 377 وكتاب « الفرق بين الفرق » لأبى منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي المتوفى سنة 429 ، وكتاب « التبصير » هذا لأبى المظفر